محمد جمال الدين القاسمي

238

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بالإيجاد ، والإشقاء ، والإسعاد سواه . ثم إن التوحيد أهم ما جاء لأجله الدين . ولذلك لم يكتف في الفاتحة بمجرد الإشارة إليه ، بل استكمله وبقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم ، وهي اتخاذ أولياء من دون اللّه تعتقد لهم السلطة الغيبية ، يدعون لذلك من دون الله ، ويستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا ، ويتقرب بهم إلى الله زلفى . وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لهذا الإجمال . « وأما الوعد والوعيد : فالأول منهما مطويّ في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فذكر الرحمة في أول الكتاب ، وهي التي وسعت كل شيء . وعد بالإحسان - لا سيما وقد كررها مرة ثانية - تنبيها لنا على أن أمره إيانا بتوحيده وعبادته رحمة منه سبحانه بنا ، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا . وقوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يتضمن الوعد والوعيد معا ، لأن معنى الدين الخضوع ، أي : إن له تعالى في ذلك اليوم السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها ، لا حقيقة ولا ادعاء ، وإن العالم كله يكون فيه خاضعا لعظمته - ظاهرا وباطنا - يرجو رحمته ، ويخشى عذابه ، وهذا يتضمن الوعد والوعيد . أو معنى الدين الجزاء وهو : إما ثواب للمحسن ، وإما عقاب للمسيء ، وذلك وعد ووعيد . وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الذي من سلكه فاز ، ومن تنكبه هلك . وذلك يستلزم الوعد والوعيد . وأما العبادة ، فبعد أن ذكرت في مقام التوحيد بقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، أوضح معناها بعض الإيضاح بقوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي : إنه قد وضع لنا صراطا سيبيّنه ويحدده . ويكون مناط السعادة في الاستقامة عليه ، والشقاء في الانحراف عنه . وهذه الاستقامة عليه هي روح العبادة . ويشبه هذا قوله تعالى : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [ العصر : 1 - 3 ] . فالتواصي بالحق والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد . والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة في المتدبر لها . وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله ، وهيبته ، والرجاء لفضله ، لا الأعمال المعروفة من فعل وكفّ وحركات اللسان والأعضاء . فقد ذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها ، والصيام وأيامه ، وكانت هذه الروح في المسلمين قبل أن يكلفوا بهذه الأعمال البدنية ، وقبل نزول أحكامها التي فصلت في القرآن تفصيلا ما ، وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى حقيقة العبادة . ومخ العبادة الفكر والعبرة ، وأما الأخبار والقصص ففي قوله تعالى : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ تصريح بأن هنالك قوما تقدموا وقد شرع الله شرائع لهدايتهم ، وصائح يصيح : ألا فانظروا في الشؤون